أبو علي سينا
340
القانون في الطب ( طبع بيروت )
حمّيات اليوم إلى حميات أخرى ، وإذا انتقل ، فهو في بدء ما ينتقل يسمى باليونانية لقويكما . ومن أصناف الرمد ما يتبع الجرب في العين ، ويكون السبب فيه خدشة للعين ، وهو يجري في أول الأمر مجرى التكدر ، وإنما يتأتى علاجه بعد حكّ الجرب . وأما الرمد بالجملة ، فهو ورم في الملتحمة ، فمنه ما هو ورم بسيط غير مجاوز للحد في درور العروق والسيلان والوجع ، ومنه ما هو عظيم مجاوز للحد في العظم ، يربو فيه البياض على الحدقة فيغطيها ، ويمنع التغميض ، ويسمى كيموسيس ، ويعرف عندنا بالوردينج . وكثيراً ما يعرض للصبيان بسبب كثرة موادهم وضعف أعينهم ، وليس يكون عن مادة حارة فقط ، بل وعن البلغمية والسوداوية ، ولما كان الرمد الحقيقي ورماً في الحدقة ، بل الملتحمة ، وكل ورم ، إما أن يكون عن دم ، أو صفراء أو بلغم ، أو سوداء ، أو ريح ، فكذلك الرمد لا يخلو سببه عن أحد هذه الأسباب ، وربما كان الخلط الموزم متولّداً فيها ، وربما كان صائراً إليها من الدماغ على سبيل النزلة من طريق الحجاب الخارج المجلّل للرأس ، أو من طريق الحجاب الداخل ، وبالجملة من الدماغ ونواحيه ، فإنه إذا اجتمع في الدماغ مواد كثيرة وامتلاء ، فأقمن بالعين أن ترمد ، إلا أن تكون قوية جداً ، وربما كانت الشرايين هي التي تصمت إليها فضولها إذا كانت الفضول تكثر فيها ، سواء كانت الشرايين من الداخلة ، أو الخارجة . وربما لم تكن المادة صائرة إليها من ناحية الدماغ والرأس ، بل تكون صائرة إليها من الأعضاء الأخرى ، وخصوصاً إذا كانت العين قد لحقها سوء مزاج ، وأضعفها ، وجعلها قابلة للآفات ، وهي التي تصب إليها تلك الفضول . ومن أصناف الرمد ما له دور ونوائب بحسب دور انصباب المادة ولولدها واشتداد الوجع في الرمد ، إما لخلط لذّاع يأكل الطبقات ، وإما لخلط كثير ممدّد ، وإما لبخار غليظ ، وبحسب التفاوت في ذلك ، يكن التفاوت في الألم . ومواد ذلك كما علمت ، إما من التمدد ، وإما من الرأس نفسه ، وإما من العروق التي تؤدي إلى العين مادة رديئة حارة أو باردة ، وربما كان من العين نفسها ، وذلك أن يعرض لطبقات العين فساد مزاج لخلط محتبس فيها ، أو رمد طال عليها فتحيل جميع ما يأتيها من الغذاء إلى الفساد ، ومن كانت عينه جاحظة ، فهو أقبل لعظم الرمد ونتوئه لرطوبة عينه ، واتساع مسامها . وقد تكثر الدموع الباردة في أصناف من الرمد لعدم الهضم ، وكثيراً ما ينحلّ الرمد بالاختلاف الطبيعي . واعلم أن رداءة الرمد بحسب كيفية المادة وعظمه بحسب كمية المادة . واعلم أن البلاد الجنوبية يكثر فيها الرمد ويزول بسرعة ، أما حدوثه فيهم كثيراً ، فلسيلان موادهم وكثرة بخاراتهم ، وأما برؤه فيهم سريعاً ، فلتخلخل مسام أعضائهم وانطلاق طبائعهم ، فإن فاجأهم برد صعب ، ومدهم لاتفاق طرو مانع قابض على حركة سيالة من خلط ثائر . وأما البلاد الباردة والأزمنة الباردة ، فإن الرمد يقل فيها ، ولكنه يصعب ، أما قلته فيها ،